أحمد مصطفى المراغي
19
تفسير المراغي
ومنهم الموسر والمعسر وصاحب الثروة وذو الفقر المدقع ، فوجب أن يقوم أغنياؤهم بكفالة فقرائهم وجوبا دينيا إذا كانت الزكاة المعينة لا تكفيهم . ولا شك أن الأسس الإصلاحية للمال التي وضعها الإسلام لا يتسنى لأقدر الأمم المالية في العصر الحاضر أن تضع خيرا منها ، انظر إليه تره حرّم الربا والقمار ، لما أنهما يوجدان التنازع والتخاصم بين الناس وإن كان فيهما بعض المكاسب ، وأوجب الحجر على السفهاء في أموالهم صيانة لها عن الضياع فيما يضرهم ويضر أمتهم ، وفرض النفقة الزوجية والنفقة على ذوى القرابة من ذوى الحاجة ، وذم الإسراف والتبذير والبخل والجشع والتقتير ومدح القصد والاعتدال في النفقة على النفس والعيال ، وأباح الزينة والطيبات من الرزق بشرط اجتناب الإسراف حفظا للثروة من الضياع وبعدا عن الأمراض والأدواء البدنية ، وجعل زكاة النقدين الواجبة هي ربع العشر أي 1 - 40 % وهو أوسط ربح تدفعه المصارف المالية لمودعى نقودهم فيها للاستغلال . انظر إلى الثروة في مصر نقدا وتجارة وتأمل مقدار ربع العشر الواجب فيها في كل عام لفقرائها ومرافقها العامة ، ثم قدّر في نفسك إذا هي قامت بالواجب الديني عليها في الزكاة ، هل يكون فيها فقر مدقع أو شقاء بين أفراد الأمة ، هل تتصور أن تنتشر فيها الأمراض المعدية أو يخيم على أفرادها الجهل ، أو ترتكب فيها جنايات السرّاق وقطاع الطرقات وذوى الخيانة والغدر ، أظن أن الجواب على ذلك : لا . وقد جاء في الكتاب والسنة الترغيب في بذل المال في سبيل البر وجعله علامة من علامات الإيمان الموجبة لثواب الرحمن والدخول في غرفات الجنان ، ولم يجئ مثل ذلك في أي نوع من أنواع البر وضروب الإحسان . ( أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ) أي ألم يعلم أولئك التائبون من ذنوبهم أن اللّه هو الذي يقبل توبة التائبين من عباده ، ولم يجعل ذلك لأحد من خلقه لا رسول ولا من دونه . وفي الآية حضّ على التوبة والصدقة والترغيب فيهما .